ابن أبي العز الحنفي
74
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
وَلَا رَسُولُهُ تَشْبِيهٌ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : مَنْ وَصَفَ اللَّهَ بشيء فَشَبَّهَ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ، وَقَالَ : علامَةُ جَهْمٍ وَأَصْحَابِهِ دَعْوَاهُمْ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مَا أُولِعُوا بِهِ مِنَ الْكَذِبِ - : أَنَّهُمْ مُشَبِّهَةٌ ، بَلْ هُمُ الْمُعَطِّلَةُ . وَكَذَلِكَ قَالَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ : عَلَامَةُ الْجَهْمِيَّةِ تَسْمِيَتُهُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ مُشَبِّهَةً ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ نُفَاةِ شَيْءٍ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ إِلَّا يُسَمِّي الْمُثْبِتَ لَهَا مُشَبِّهًا ، فَمَنْ أَنْكَرَ أَسْمَاءَ اللَّهِ بِالْكُلِّيَّةِ مِنْ غَالِيَةِ الزَّنَادِقَةِ ، الْقَرَامِطَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ ، وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يُقَالُ لَهُ : عَالِمٌ وَلَا قَادِرٌ - : يَزْعُمُ أَنَّ مَنْ سَمَّاهُ بِذَلِكَ فَهُوَ مُشَبِّهٌ ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الِاسْمِ يُوجِبُ الِاشْتِبَاهَ فِي مَعْنَاهُ ، وَمَنْ أَثْبَتَ الِاسْمَ وَقَالَ : هُوَ مَجَازٌ ، كَغَالِيَةِ الْجَهْمِيَّةِ ، يَزْعُمُ أَنَّ مَنْ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ حَقِيقَةً ؛ قَادِرٌ حَقِيقَةً - : فَهُوَ مُشَبِّهٌ ، وَمَنْ أَنْكَرَ الصِّفَاتِ وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا كَلَامٌ وَلَا مَحَبَّةٌ وَلَا إِرَادَةٌ - قَالَ لِمَنْ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ : إِنَّهُ مُشَبِّهٌ ، وَإِنَّهُ مُجَسِّمٌ . وَلِهَذَا كُتُبُ نُفَاةِ الصِّفَاتِ ، مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ ، كُلُّهَا مَشْحُونَةٌ بِتَسْمِيَةِ مُثْبِتِي الصِّفَاتِ مُشَبِّهَةً وَمُجَسِّمَةً ، وَيَقُولُونَ فِي كُتُبِهِمْ : إِنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمُجَسِّمَةِ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمُ : الْمَالِكِيَّةُ ، يُنْسَبُونَ إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ : مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَقَوْمًا يُقَالُ لَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ ، يُنْسَبُونَ إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ : مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ ! ! حَتَّى الَّذِينَ يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ مِنْهُمْ ، كَعَبْدِ الْجَبَّارِ ، وَالزَّمَخْشَرِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا ، يُسَمُّونَ كُلَّ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا مِنَ الصِّفَاتِ وَقَالَ بِالرُّؤْيَةِ - مُشَبِّهًا . وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ قَدْ غَلَبَ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ غَالِبِ الطَّوَائِفِ . وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ مِنِ اسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ عِنْدَ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورِينَ : أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِنَفْيِ التَّشْبِيهِ نَفْيَ الصِّفَاتِ ، وَلَا يَصِفُونَ بِهِ كُلَّ مَنْ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ . بَلْ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقَ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ لَا كَعِلْمِنَا ، وَيَقْدِرُ لَا كَقُدْرَتِنَا ،